Friday, Apr 10th, 2020 - 10:22:18

Article

Primary tabs

السلطة الخامسة.. بقلم حبيب البستاني

من المعلوم أنه توجد في كل نظام ديمقراطي سلطات ثلاث السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، ومن ثم وفي القرن التاسع عشر أضيفت الصحافة في البداية ومن ثم الإعلام كسلطة رابعة لما لها من تأثيرعلى الناس والشعوب، فهي سلطة تراقب وتلقي الضؤ وتحاسب وتصحح وفي بعض الأحيان تطلق الأحكام، وذلك بغض النظر عن صوابية أحكامها من عدمه، وفي كل الحالات فمزاج الناس يتأثر بها بصورة كبيرة وكبيرة جداً، لا سيما إبان الاستحقاقات والانتخابات على أشكالها من النقابية إلى البلدية إلى النيابية، فالمزاج الشعبي ليس ثابتاً بل يتبدل وفقاً للظروف والمعطيات.
واليوم ومع تطور القطاع الاقتصادي والتحول الكبير في الاستثمارات وشكلها ومع النمو الكبير في حجم الاقتصادات التي أصبحت تشكل الملاذ والهم في آن معاً، ومع توسع النظام الليبرالي على حساب الأنظمة التوتاليتارية والاقتصاد الموجه والمدعوم، ازدادت سلطة المصارف وتضاءلت سلطة الدولة لا سيما في البلدان الصغيرة التي تتجاوز فيها حجم الكتلة النقدية ميزانية الدولة، وأصبحت الشعوب "الفقيرة" بين مزدوجين واقعة تحت تاثير السلطة المالية لا سيما سلطة المصارف والشركات المالية، وأصبحنا نعيش فعلاً لا قولاً تحت تاثير سلطة جديدة التي يمكن أن نطلق عليها السلطة الخامسة التي تديرها المصارف.
لبنان تحت تأثير سلطة المال
لقد عاش النظام اللبناني ومنذ أكثر من 30 عاماً على مقولة أن المطلوب تكبير حجم الاقتصاد لزيادة معدل النمو، وهذا نظرياً صحيح إذ إن ابسط القواعد المالية الاقتصادية تقول بذلك فالازدهار له مؤشرات بسيطة ليس أقلها زيادة فرص العمل وتخفيض معدل البطالة، ولكننا ولتحقيق ذلك اعتمدنا على الاستدانة كسبيل وحيد، سهل وسريع لتكبير حجم الاقتصاد، وبالتالي ظل الاعتماد على نظام إقتصادي ريعي خدماتي، يعتمد على التجارة بدل الصناعة ويركز على الاستمرار في الاستيراد بدل خلق اقتصاد منتج يعتمد على الإنتاج كوسيلة ناجعة لتأمين الاكتفاء الذاتي والانتقال إلى التصدير المجدي في مرحلة لاحقة، وبالتالي فإن السياسات المالية والاقتصادية لم تقم على ضرورة وضع النظم والتشريعات لحماية الصناعة الوطنية وإعطاء الصناعيين حوافز في مجال الطاقة وأسعارها، إلى إنشاء مناطق صناعية مجهزة بكل البنى التحتية في مختلف المناطق اللبنانية، وما يصح في الصناعة يصح في الزراعة، فاعتمدت سياسة إغراق الأسواق بالإنتاج الغريب بحجة أنه الأرخص ويتمتع بجودة عالية، وعلى سبيل المثال لا الحصر البندورة العمانية والبطاطا المصرية والزيتون السوري، فبدلاً من دعم المزارع وتأمين مستلزامته الأساسية من بذور وأسمدة ومبيدات وقروض ميسرة لاعتماد زراعات حديثة، تتطلب عناية أقل وأراضٍ أقل مساحة وتعطي منتوجاً بمواصفات جودة عالية ISO تمكننا من التصدير إلى الدول الأوروبية والأسواق العربية، كالزراعة المعتمدة في أنظمة ال hydroponic system إلى ما هنالك من قطاعات لم يتم الاستثمار فيها بالشكل الصحيح، كالتكنولوجيا وإنشاء المدن التكنولوجية المزودة بالوسائل الحديثة لنقل المعلومات كالألياف الضوئية ونظم الاتصال من الجيل الخامس، والتي كان بإمكان هذه المدن أن تستقطب الشباب المتخصص وتحد من الهجرة وتساهم في خلق فرص عمل تعتمد الإبداع اللبناني وتساهم في إدخال العملات الصعبة للبلد، بالإضافة إلى مجالات عدة في صناعات المجوهرات لا سيما الألماس الذي يعد من أهم مصادر الغنى للدولة العبرية، إلى مصانع الدواء التي ظلت في مجملها مبادرات فردية لم تلق لا الدعم ولا الحماية. وليس غريباً أن تتطرق خطة ماكينزي الخمسية إلى ضرورة تنمية كل هذه القطاعات وغيرها.

الأرقام المضللة
وظلت الأرقام غامضة إلى أن توقف المد بالعملات الصعبة من معطم الدول التي ينتشر فيها الاغتراب اللبناني، وذلك لأسباب شتى ليس أقلها الأزمة الاقتصادية العالمية التي عانت منها هذه الدول لاسيما انخفاض سعر برميل النفط الذي انعكس سلباً على معطم بلدان الخليج العربي، وأدى إلى تناقص القدرة المالية لدى اللبنانيين هناك، أضف إلى ذلك الأزمة السورية التي انعكست غياباً للاستثمارات السورية لا سيما في المجال العقاري والفندقي والسياحي في لبنان. ومع بروز هذه الأزمات بدأت الأرقام تتوضح أكثر فأكثر واتضح العجز الكبير في ميزان المدفوعات ولم يكن غياب الموازنات لأكثر من 12 عاماً قراراً بريئاً، بل كان الهدف منه استمرار الصرف بحسب القاعدة الإثني عشرية بلا حسيب أورقيب، إلى أن جاء عهد الرئيس عون ليكتشف أن الدولة لا يمكن أن تستمر بدون موازنة وأرقام حقيقية فاصر فخامته على ضرورة وضع الموازنة التي لا يمكن تغييبها تحت أي ظرف من الظروف، ولعل قرار الرئيس بعدم وضع توقيعه على موازمة 2020 قبل إجراء عملية قطع الحساب، وذلك ليس بهدف قطع الرقاب بل لوضع الأمور في نصابها وليرى الناس أين ذهبت الثروات والهدر الكبير الذي حصل، كل ذلك حتى لا يجرؤ أحد من تكرارها في المستقبل.
سلطة المال وجشع الممولين
أمام تنامي حاجة الدولة اللبنانية لاستمرار تأمين مصاريفها قام مصرف لبنان بعرض سندات الخزينة Eurobonds بفوائد عالية وصلت إلى أكثر من 40% مما أدى إلى استثمار المصارف كامل ودائغها في هذه السندات، طمعاً بمردودها الكبير وليس بهدف مساعدة الدولة، فالمصارف ليست جمعية خيرية تقوم بالمساعدات، ولقد غامرت المصارف بكل الودائع الموضوعة بتصرفها من قبل المودعين وراحت تعمل على إغراء هؤلاء بالفوائد العالية لوضع أموالهم لديها. هذه العمليات لا ترتب مسؤوليات على المودعين بقدر ما ترتب مسؤوليات على أصحاب المصارف، وبالتالي فإن عدم تسديد أي وديعة عند استحقاقها وبالعملة المودعة بها يعد تخلفاً عن الدفع وذلك بحسب قانون النقد والتسليف، لقد اختار المودع المصارف لوضع وديعته نظراً لثقته من جهة، ومن جهة ثانية لأن المصرف هو المكان الآمن لها، ولو كان المودع يريد ربحاً أكبر ومخاطر أكبر لكان اختار سلة مالية من السلات التي تعتمدها البورصة.
النقطة الأهم أن هذه المصارف يجب أن تتحمل نتيجة استثمارها في سندات الخزينة وخيارها الخاطىء بوضع معظم أموالها النقدية في هذا القطاع، وبالتالي على اصحابها سداد الخسائر التي تكبدتها مصارفهم من مالهم الخاص وليس من مال المودعين.
أما القول بان المصارف كانت تتقاضى فوائد بمعدلات قانونية intérets au taux légal على اليوروبوند فهذا قول مردود إذ إن المصارف قد استغلت حاجة الدولة وجنت أرباح تفوق أضعاف أضعاف ما استثمرته، وبالتالي فإن القوانين المالية لا سيما منها الاجتهاد الفرنسي يتحدث عن الفائدة القانونية intéret légal وليس عن المعدلات، نقول ذلك أنه ينبغي على المصارف أن تسدد ما عليها طوعاً وإلا قام المودعون بإجبارها قانونياً على ذلك، وإنه من مصلحة المصارف أن تتوصل إلى اتفاق مع الدولة على إعادة هيكلة السندات وتطويل آجالها وتخفيض فوائدها، لأنه ليس من مصلحة المصارف في الدخول في نزاع قانوني مع الدولة، وهذا ما أشارت إليه مصادر حاملي السندات الأجانب. وهنا بمحبة نقول لأصحاب المصارف كفى تهويلاً على المودعين وعلى الدولة فقضيتكم خاسرة.

Back to Top